علي الهجويري
326
كشف المحجوب
فللندم ثلاثة أسباب أولها : أن يسيطر الخوف من العقاب على القلب وتجرى هموم الأفعال السيئة على القلب ، وثانيها : أن تستولى إرادة الثواب على القلب ويصير معلوما أنه لا يتأنى بالأفعال السيئة وعدم الامتثال للأمر وثالثها : أن يستحى من الله . ففي الحالة الأولى يكون النادم تائبا وفي الحالة الثانية يكون منيبا وفي الحالة الثالثة يكون آئبا . وكذلك التوبة لها ثلاث مقامات التوبة والإنابة والأوبة ، فالتوبة تأتى عن خوف عقوبة الله تعالى والإنابة عن رغبة في طلب الجزاء والأوبة لأجل المحافظة على أحكامه والتوبة هي مقام عامة المؤمنين لقوله تعالى : تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً « 1 » وتستلزم التوبة ترك الكبيرة والإنابة هي مقام الأولياء والمقربين لقوله تعالى : مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ « 2 » . والأوبة هي مقام الأنبياء والرسل عليهم السلام لقوله تعالى نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ « 3 » التوبة هي الرجوع عن الكبائر إلى الطاعة ، والإنابة هي الرجوع عن الصغائر إلى المحبة ، والأوبة هي الرجوع من نفسك إلى الله تعالى . وفرق بين العودة من الفواحش إلى الأوامر ، والعودة من اللمم والخواطر إلى المحبة ، والعودة من النفس إلى الحق . وأصل التوبة : إنما جعلت لتكون من زواجر الله تعالى ولإيقاظ القلوب من نوم الغفلة ورؤية الغيب لأنه إذا تفكر الإنسان في سوء فعله وأعماله الخبيثة . فإنه يطلب الخروج منها ، والله سبحانه وتعالى يجعل ذلك سهلا عليه بالتوبة ويقوده بها إلى حلاوة الطاعة هذا وإجماع المسلمين ومشايخ الصوفية هو على أن الإنسان إذا تاب عن معصية ووقع في أخرى لا يمنعه ذلك من التوبة والجزاء على التوبة لأنه امتنع عن المعصية بها ولأنه ببركة هذا الجزاء
--> ( 1 ) سورة التحريم آية 8 . ( 2 ) سورة ق آية 33 . ( 3 ) سورة ص آية 44 .